تُعدُّ واحدةً من أقدم الكنائس المسيحية في العالم، إذ يَعود تاريخ بنائها لعام 59، أشادها السريان الحمصيّون بعدما بشَّرهم بالمسيحية القديس الشهيد ميليا (إيليا) البشير أحد المبشّرين السبعين، والتي زارها فيما بعد الرسولان بطرس ويوحنا، وبعد ذلك بمدّةٍ وجيزة أصبحت حمص كرسيًّا أسقفيًّا تابعًا للكرسي الأنطاكي الرسولي، وأوّل أساقفتها القدّيس سلوانس الذي خدمها مدّة أربعين عامًا واستشهد عام 312.

هذه الكنيسة تقع حاليًّا تحت الكاتدرائية للجهة الشرقية الجنوبية لها، وهي عبارة عن كهف بسيط تحت الأرض ينزل إليها الزائر على درج ثمّ يدخل بممرّ طوله عشرة أمتار بارتفاع مترين تقريبًا وعرض ثمانين سنتمترًا إلى أن يصل لقاعة الكنيسة الترابية المحفورة كلّها من الكدّان، والتي يبلغ قطرها 15 متر، وكان يُمارس فيها المسيحيون شعائرَهم الدينية خوفًا من الاضطهادات الوثنية، وكانت تُعرف باسم كنيسة السيدة العذراء، وتتسع لحوالي الثلاثين شخصاً.  

وفي عام 476، قام الأب داود الطورعبديني بنقل الزنار المقدّس من مدينة الرها إلى كنيسة السيدة العذراء بحمص إذْ أنَّه وجد الزنار مع رفات القدّيس مار توما الرسول الذي استلمه بالذات من السيدة العذراء مريم أثناء انتقالها للسماء لتكون علامةً واضحةً وإثباتًا صادقًا على انتقال والدة الإله الطاهرة القدّيسة مريم بالجسد إلى يمين ابنها السيد المسيح في السماء. ومنذ عام 476، بقي الزنار في الكنيسة القديمة فخُلع عليها اسم «كنيسة الزنار» أو «كنيسة أمّ الزنار».

بعد أن استقرَّت المسيحية من الاضطهادات وبعد صدور مرسوم ميلان عام 313، باشر المسيحيّون بإنشاء الكنائس الفخمة إذْ تمَّ الاعتراف بالمسيحية ديانة رسمية. فقام السريان الحمصيون في القرن السادس أو السابع للميلاد ببناء كنيسة أكبر من الكنيسة القديمة إلى جانبها ويُظَنّ أنّها تحت جرسيَّة الكنيسة الحالية، واستعملوا في بنائها الحجر الحمصي الأسود، وسَقفوا الكنيسة بالخشب لكن ليست لدينا المعلومات الكافية عن طولها وعرضها. وإليها نُقل الزنار المقدس الذي كان محفوظًا بوعاءٍ معدنيٍّ وضمن جرن بازلتي. وتَذكر المصادر السريانية والوثائق المُكتشفة أن هذه الكنيسة بقيت عامرة إلى عام 1852، حين قام المطران يوليوس بطرس مطران حمص آنذاك بتجديد الكنيسة، فردموا سَقف الكنيسة الخشبي وبعض جدرانها وأشادوا الكنيسة الحالية القائمة على ستة عشر عامودًا ضخمًا منها ثماني أعمدة وسط الكنيسة والباقي ضمن جدرانها بطول 18م وعرض 16م وارتفاع 10م، وأشادوا في وسطها قبّة نصف أسطوانية رائعة في الفن والبناء. فحين هَدموا الكنيسة القديمة وجدوا الزنّار المقدّس موضوعًا في وعاء وسط المذبح، ففرحوا جدًّا وتباركوا منه ونقلوه إلى وسط مائدة التقديس في الكنيسة الحالية ضمن جرن بازلتي، ووضعوا فوقه حجرًا كبيرًا ونقشوا عليه بالخطّ الكرشوني تاريخ تجديد الكنيسة عام 1852 وأسماء المتبرّعين، وذكروا أنَّ الكنيسة تَرجع لعام 59.

ونتيجةً لعوامل كثيرة أهمّها الاضطهاد الذي وقع على الكنيسة، لجأ الآباء إلى إخفاء الزنار، إلى أن كشف الله الأمر لقداسة المثلث الرحمات البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم الذي كان مقرّ بطريركيته في حمص من عام 1933 لغاية 1957. وأصدر منشورًا بطريركيًّا بتاريخ 1 كانون الأول 1953 جاء فيه: «في أواخر شهر نيسان عام 1953 لمَّا كنَّا نتفحَّص كتابًا كرشونيًّا يتضمّن قصصًا ومواعظ ظهر لنا أنَّه مجلّد بعدّة أوراق كُدّست فوق بعضها البعض، إذْ كان الشرقيّون منذ ثلاثمائة سنة يُجلِّدون مخطوطاتهم بهذه الطريقة أو بخشب سميك ثم يُغلّفونها بجلد أو قماش سميك. ولمَّا فتحنا جلد الكتاب وجدناه مؤلّفًا من ستّ وأربعين رسالة بالكرشوني والعربي تَخصّ أبرشية حمص وتوابعها مكتوبة منذ نيّف ومائة سنة، وإحداها وهي كرشونية طولها 28سم وعرضها 20سم كتبها عام 1852م وجهاء أبرشية سوريا إلى وجهاء مدينة ماردين المجاورة لدير الزعفران بمقرّ الكرسي البطريركي آنذاك تتضمن أحوال أبرشيتهم ذكروا فيها أنّهم حينما هدموا كنيستهم المسمَّاة باسم سيّدتنا العذراء أم الزنار في حمص بغية توسيعها وتجديد بنائها لقدمه وصغرها وتسقيفها بالخشب وذلك بأمر مطران أبرشيتهم مار يوليوس بطرس الموصلي وجدوا زنّار العذراء مريم موضوعًا في وعاء وسط مائدة التقديس في المذبح فشملهم الفرح».

بناءً على هذه المعلومات، كشف البطريرك أفرام برصوم المائدة المقدّسة في صباح اليوم العشرين من شهر تموز عام 1953 بحضور رؤساء الكنائس في حمص وأعضاء من مديرية الآثار والمتاحف فوجدوا الرقيم الحجري الذي ذكرناه سابقًا وتحته جرن قديم مغطّى بصفيحة نحاسية وداخله الوعاء الذي تَكسَّر لعِتقِهِ، فظهر بداخله الزنار الشريف ملفوفًا بعضه على بعض. وشاع هذا الخبر في حمص فتقاطر جمهور غفير من المؤمنين للتبرّك منه.

وأصدرت مديرية الآثار والمتاحف في دمشق بيانًا بذلك بتاريخ 16 آب /1953 مُوقَّع من د. جوزيف سبع، مدير متحف دمشق، والأستاذ رئيف الحافظ، المساعد الفني والخبير في المتحف. ووُضع الزنار في مكان لائق له في جناح خاص جانب الكنيسة يتبارك منه المؤمنون، وأصبحت الكنيسة معروفةً عالميًّا، إذْ يزورها سنويًّا آلاف السياح ليتبرّكوا من هذه الذخيرة المقدّسة التي تُعدّ من أعظم الذخائر المسيحية بعد صليب الرب يسوع المسيح له المجد.

في عام 1901، أضيفت للكنيسة الجرسيَّة الحالية، وبأمر من السلطان العثماني محمد رشاد، قام السريان بتجديد الكنيسة. وفي عام 1954، قام البطريرك أفرام الأول برصوم بتوسيع الكنيسة لجهة الغرب وإضافة جناح لها، وفي عام 2000 قام المثلث الرحمات المطران مار سلوانس بطرس النعمة بترميم الكنيسة بالتعاون مع لجنة الترميم. فأزالوا طبقة الاسمنت عن جدرانها، وأعادوها للحجر الأسود بعد معالجتها. وأضافوا بعض الزخرفات والنقوش والكتابات السريانية بفنٍّ وجمالٍ رائع، وذلك بدعم وتبرّع من المؤمنين في الوطن والمهجر، مع إضافة عدد من الأيقونات الفسيفسائية ومذبح خشبي رائع في الفن والنحت.

الأشياء التي اكتشفت مع الزنار: 

ا ـ الرقيم الحجري: طوله 46سم وعرضه 44سم وسمكه 2سم مكتوباً عليه بالكرشونية «أنه في سنة 59م بنيت هذه الكنيسة وذلك في زمان البشير ميلآ المدعو أيضاً إيليا» ثم ذكر تاريخ تجديد الكنيسة عام 1852م في عهد المطران يوليوس بطرس، وأورد أيضاً أسماء البلاد والقرى التي تبرع أهلها بنفقات العمارة. والجدير ذكره أن ليس للرقيم علاقة بالزنار لأن الغاية من وضعه تحديد تاريخ تجديد الكنيسة فقط.

2 ـ الجرن: من الحجر البركاني على شكل تاج عمود بسيط، ارتفاعه 12سم وطول ضلع سطحه العلوي 24سم وطول ضلع قاعدته 29سم، فيه حفرة نصف بيضوية تقريباً قطرها العلوي 16سم. ويعود تاريخ هذا الجرن للعهد البيزنطي.  

3 ـ القرص النحاسي: يغطي الجرن البركاني قطره 15 سم مزين بدوائر متحدة المركز.

4 ـ العلبة الاسطوانية: كانت في الجرن البركاني وهي من المعدن المتأكسد لدرجة أنه لم يبق من المعدن شيء وقد حفظ التأكسد شكل العلبة الاصلي وعلى الأصح أنها من الفضة الممزوجة بمعدن أخر، ولما حاول البطريرك أفرام اخراجها من الجرن تحطمت بيده إلى أجزاء صغيرة وبقي قعر العلبة لاصقاً في حفرة الجرن فأخرجه محطماً إلى عدة قطع ووجد ضمن العلبة الزنار، يظهر أن العلبة الأنفة الذكر كانت موضوعة في مذبح الكنيسة السابق منذ زمن بعيد كما يدل على ذلك تأكسد العلبة الشديد الناجم حتماً عن وجودها في أرض رطبة مدة طويلة وتأكل الزنار أثناء وجوده ضمن العلبة وحالة العظمة والرق الموضوع ضمنها.  

5 ـ الزنار المقدس: اكتشف الزنار المقدس ضمن العلبة الاسطوانية الشكل وكان ملفوفاً حوله قطع من الخيطان والقماش، طوله 74سم، وعرضه 5سم، وسمكه 3مم تقريباً، لونه بيج فاتح وهو مصنوع من خيوط صوفية طولانية في الداخل ربما من خيوط كتان وحرير، وطرز الزنار بخيوط من الذهب على سطحه الخارجي وقد تأكل من أطرافه وظهرت عليه أملاح وتأثر بتأكسد العلبة المعدنية.  

6 ـ اسطوانة نحاسية: كانت معلقة في جانب العلبة من الاعلى طولها 5،6 سم فتحت فظهر ضمنها قطعة عظمية من ساعد انسان بنفس الطول وظهر ضمن العظمة ما يشبه رقاً ملفوفاً.  

تعود أهمية هذه الكنيسة أوّلاً لقدمها وثانياً لوجود الزنار المقدّس الذي سلَّمته العذراء مريم للرسول توما ليكون بركة للمؤمنين، إذْ باركه الرب يسوع المسيح وهو في أحضان أمّه الطاهرة مريم. كما تجدر الإشارة بأنه قد اكتشفت مع الزنار ذخائر القديس مار باسوس (استشهد قرابة عام 380م)، وكذلك تحفظ الكاتدرائية بركة تراب من قبر القديس مار يعقوب السروجي (521م) ومن قبر القديس مار كبرئيل (667م). إضافة لضريح البطريرك العلامة مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم (1957م)، وأضرحة العديد من المطارنة والكهنة.

وتحوي الكنيسة على بئر للماء العذب، حُفر في الكنيسة القديمة للشرب، وبعد بناء الكنيسة الحالية قاموا بتلبيس البــئر بقــميص من الحجر الأســود ليصل ارتفاعه إلى الجهة اليسارية بجانب المذبح بعمق لا يتجاوز 20 متراً، يتبارك منه المؤمنون بشكل دائم، ويذكر له الكثير من المعجزات.  

وفي عام 2012، تعرّضت الكنيسة لهجوم أثناء الأزمة السورية ممّا أدّى لحرق سقف الكنيسة ومقاعدها وأبوابها وهدم جرسية الكنيسة وسطحها، وكلّ ما تحتويه من أيقونات قيّمة وغيرها، ولكنّ الزنار لم يكن داخل الكنيسة، إذ تمّ وضعه أثناء الأحداث في مكانٍ آمنٍ. وحين تحرّرت مدينة حمص القديمة من الإرهاب قام المطران بطرس النعمة بالتعاون مع لجنة الترميم وبدعم من مؤسّسات كنسية وغيرها بإعادة الترميم الكاتدرائية بالكامل بالإضافة إلى الكنائس الأثرية الثلاثة، ونشكر الله فقد تم الانتهاء من المرحلة الأولى للمقام الجديد للزنار المقدس بجوار الكاتدرائية وقد كرسه وافتتحه قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني الكلي الطوبى بتاريخ 14 آب 2022 ومنذ تلك اللحظة وضع الزنار الشريف في المقام الجديد وهو معروض لبركة جميع أبناء المدينة وزوار الكاتدرائية، والعمل جاري على استكمال المرحلة الثانية من الأعمال داخل المقام وهو متحف الأواني الكنسية والتراث السرياني.